الشيخ محمد رشيد رضا

329

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الوراء انقلاب خسران تخسرون فيه هذه النعم ، ومنها الأرض المقدسة التي ستعطونها جزاء على شكر النعم التي تقدمتها ، فتعود الدولة فبها لأعدائكم ، وذلك ان شكر النعم مدعاة المزيد منها ، وكفرها مدعاة سلبها وزوالها . والوجه الآخر في الارتداد على الأدبار ، النكوص عن دخولها والجبن عن قتال من فيها من الوثنيين ، وقد فرض اللّه عليهم قتالهم ، والخسران على هذا قبل هو خسران ثواب الجهاد ، وخيبة الامل في امتلاك البلاد ، والذي أجزم به ان المراد بالخسران تحريم الأرض المقدسة على المخاطبين وحرمانهم من خيراتها وبركاتها التي ورد في بعض أوصافها انها « تفيض لبنا وعسلا » وعقابهم بالتيه أربعين سنة ينقرض فيها المرتدون على أدبارهم كما سيأتي . فان هذا الخسران هو الذي وقع بالفعل وبينه اللّه في الكتاب ، فلا معدل عنه . ولا يعارضه كون اللّه تعالى كتبها لهم ، فان هذه الكتابة ليست لأولئك الافراد بأعيانهم وانما هي لشعبهم وأمتهم . ومثل هذا الخطاب الذي يوجه إلى الأمم والأقوام معهود في عرف الناس ولغاتهم : يسند إلى الحاضرين المخاطبين ، ما كان من أعمال سلفهم الغابرين ، ويبشرون أو يوعدون بما لا يكون الا لخلفهم الآتين ، كبشارة النبي ( ص ) لقومه بأنهم سيفتحون القسطنطينية قبيل قيام الساعة . على أن اللّه حرمها على جمهور الذين خالفوا وعصوا أمر موسى بدخولها ، ولما دخلوها بعد التيه كان قد بقي من الذين خوطبوا بأنها كتبت لهم بقية ، فقال بعض المفسرين ان كونها كتبت لأولئك المخاطبين بأعيانهم يصدق بهؤلاء ، من باب إطلاق العام وإرادة الخاص . ولكن الأسلوب الفصيح يأبى هذا التوجيه اللفظي كل الإباء . وقال السدي ان المراد بالكتابة هنا الامر فمعنى « كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ » أمركم بدخولها . وهو بعيد أيضا . والمتبادر أنه كتب لهم ذلك في الكتاب وما أوحاه إلى آبائهم ، ويؤيده الواقع ، ولولاه لكان المعنى كتب لكم ذلك في علمه ، أي أثبته بقضائه وقدره * * * قالُوا : يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ ، وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها ، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ كان استعباد المصريين لبني إسرائيل قد أذلهم وأفسد عليهم بأسهم ، وكان بنو عناق الذين يسكنون أمامهم في أدنى الأرض المقدسة ( تفسير القرآن ) « 42 » ( الجزء السادس )